ابن قيم الجوزية

353

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

سبق به القضاء . فإذا تيقن له أنه سبق القضاء بشيء فإنه لا بد أن يناله . فعلق قلبه برجاء شيء من الفضل . فقد اعترض على القضاء ، ولم يعرف للاستسلام للحكم حقه . وذلك وقوع في الرعونة ، في مذهب السائرين على درب الفناء ، الناظرين إلى عين الجمع . إذ الرعونة هي الوقوف مع حظ النفس . والرجاء هو الوقوف مع الحظ . لأنه يتعلق بالحظوظ . وأصحاب هذه الطريقة أول طريقهم : الخروج عن نفوسهم ، فضلا عن حظوظها « 1 » لأنهم عاملون على أن يكونوا باللّه لا بنفوسهم . فغاية المحب : أن يرضى بأحكام محبوبه عليه ، ساءته أم سرته ، حتى يبلغ بأحدهم هذا الحال إلى أن ينشد : أحبّك لا أحبّك للثّواب * ولكني أحبك للعقاب وكل مآربي قد نلت منها * سوى ملذوذ وجدي بالعذاب ولو كان نفس تلذذه بالعذاب مقصوده من العذاب : لكان أيضا واقفا مع حظه ولكن أراد أن رضاه بمراد محبوبه منه - ولو كان عذابه - لم يدع فيه للرجاء موضعا ولا للخوف . بل يقول : أنا أحب ما تريده بي ، ولو أنه عذابي . وقد كشف بعض المغرورين عن هذا بقوله : وتعذيبي مع الهجران عندي * أحب إليّ من طيب الوصال لأني في الوصال عبيد حظي * وفي الهجران عبد للموالي فأخبر أن التعذيب بالهجران أحب إليه من طيب الوصال ، لكون الوصال فيه ما تشتهيه النفس . وأما التعذيب : فليس للنفس فيه مقصود . ثم أخبر أنه لم يأت في القرآن والسنة إلا لفائدة واحدة . وهي تبريده لحرارة الخوف ، حتى لا يفضي بصاحبه إلى الإياس . وهذا وجه كلامه ، وحمله على أحسن المحامل . فيقال : هذا ونحوه من الشطحات التي ترجى مغفرتها بكثرة الحسنات . ويستغرقها كمال الصدق ، وصحة المعاملة ، وقوة الإخلاص ، وتجريد التوحيد ، ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس : إحداهما : حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ، ولطف نفوسهم ، وصدق معاملتهم ، فأهدروها لأجل هذه الشطحات ، وأنكروها غاية الإنكار . وأساؤوا الظن بهم مطلقا « 2 » وهذا

--> ( 1 ) هذه دعواهم . وإلا فالواقع : أنهم أشد الناس تعظيما لنفوسهم ، وحرصا على شهواتها وهواها وحظوظها ، وسعيا إلى تحصيلها . واستكبارا على العامة ، حتى دعوا الناس إلى عبادتهم من دون اللّه ، كا روي عن معروف أنه قال لتابعه : إذا كانت لك حاجة بعد موتي فائت قبري واسألها أقضها لك . ( 2 ) إنهم لم يسيئوا الظن . بل عرفوا الحقيقة الصوفية الجاهلية القديمة وما تفرع ويتفرع منها من محادة للّه ولرسوله واتباع لغير المؤمنين - عن قصد وعلم لا عن خطأ وجهل - فإن من درس كتب القوم ومقالات كبار شيوخهم - كابن عربي وابن سينا وابن سبعين ومن قبلهم ومن بعدهم - عرف هذه الحقيقة صارخة ، مع أن لابن عربي كلاما عجيبا جدا في التحذير من البدعة ، والوقوف في الأسماء والصفات عند مذهب السلف . وحين تتوغل في كتاب الفتوحات والفصوص وغيرهما ترى الإنكار الصريح للرب وأسمائه وصفاته التي -